شهادة من قلب الجحيم”.. محمد حامد جمعة يروي فظائع المليشيا: “شفنا بالعين ما حكوا لينا!”
شهادات حية من الخرطوم: محمد حامد جمعة يوثق انتهاكات الدعم السريع في السودان.
“طلقة طلقة ودانة دانة”.. رحلة عذاب ومواجهة مع الموت في شوارع الخرطوم المكلومة!
متابعات – عاجل نيوز
يخرج الكاتب محمد حامد جمعة عن صمته في نصٍ نحن شهود ما بحكو لينا ليضع القارئ أمام حقيقة دامغة لما جرى في شوارع الخرطوم، بعيداً عن صخب التحليلات السياسية الباردة ومحاولات تجميل المشهد.
يقرر جمعة أن ينقل تجربته الشخصية التي عايش فيها الحرب بكل تفاصيلها القاسية من اللحظة الأولى، .
حيث يؤكد أن ما رآه بعينه يجعله يرفض أي تبرير سياسي أو محاولة للالتفاف على الواقع، فما حدث لم يكن صراعاً على سلطة بل سلسلة من الفظائع التي لا يمكن أن تبررها شعارات أو تبتلعها ذاكرة.
يستعرض الكاتب مشاهد تقشعر لها الأبدان حين يروي قصة ذلك المسن الذي سُفكت روحه لمجرد أنه حاول الدفاع عن عرض أسرته، ليتركه الجناة يصارع الموت أمام أعين عياله وجيرانه الذين أجبروا على الانتظار حتى فاضت روحه.
يتسع السرد ليشمل تفاصيل الإذلال الممنهج الذي مورس بحق السكان، حيث يصف كيف كان يتم إجبار المواطنين على الجلوس في هجير الشمس لساعات طويلة، .
وكيف اضطر الناس تحت وطأة التهديد إلى قطع صلواتهم ودفن جيرانهم في زوايا الطرقات وتحت مسارح المدارس،.
بينما كانت المليشيا تمعن في إحراق الدور وتدمير البنية التحتية من كهرباء ومحطات ليخلو لهم الطريق للسرقة والنهب.
ينقل جمعة بمرارة تجربة العيش في ظل هذه المليشيا التي كانت تقتات على وجع الناس، حيث يروي قصة الماء الذي كان يجمعه بقطرات من خراطيم المياه في منطقة الزرائب، ليفاجأ بعناصر المليشيا وهم يدلقونها أمامه بكل استعلاء ليحرموه حتى من جرعة البقاء.
يتحدث عن مغامرة الموت التي عاشها حين اضطر للزحف على الأسفلت في تقاطع كوبري خور أبو عنجة بينما كان الرصاص يثقب الحجارة من حوله، فقط ليصل بدواء لمريض جارٍ له، .
مستذكراً كيف نجا بأعجوبة من موت محقق لدرجة أن الطبيب الذي لجأ إليه بعد تلك المحنة نعته بالمجنون من هول ما رآه على وجهه من آثار الفزع.
لا يقف السرد عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل صوراً مؤلمة لأناس لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، حيث رأى بعينه كيف كانت المليشيا تنهب حتى “حبيبات الطعمية” من أفواه المساكين وتجبرهم على تقبيل أيدي الجناة في مشهد ينم عن انحطاط أخلاقي غير مسبوق.
يروي الكاتب كيف تعرض هو شخصياً لتعذيب وحشي تمثل في الركل والضغط الذي لا يزال يشعر بوجعه في ملامحه حتى اللحظة، .
مؤكداً أن كل هذا لا يمكن أن يكون قضية سياسية أو تطلعاً لخير، فمن فعلوا هذا قد أسقطوا عن أنفسهم أي غطاء إنساني.
يختم محمد حامد جمعة شهادته بقناعة راسخة تولدت من صميم المعاناة، مشدداً على أن الموقف الأخلاقي الوحيد للسودانيين هو الوقوف ضد هذه المليشيا،.
لأن ما رآه بعينه من دماء ودموع رجال وماجدات قد سالت من القهر يجعل من هذا الموقف هو أصح الصحيح.
يختتم بنظرة أخيرة على صورة التقطت في بحري لمواطنين يتم إجلاؤهم، حيث يتأمل ملامح رجل ثري وقور كان ينظر للسماء بدموع متحجرة،.
وقد تعرض لإذلال ترك غصة في حلقه لم تمنحه فرصة طويلة للعيش بعدها، لتبقى تلك الصورة تختصر حكاية وطنٍ بأكمله تعرض للقهر والإذلال.