التطبيع سراً والإنكار جهراً.. كواليس زيارة وفد “صمود” بقيادة حمدوك إلى إسرائيل وأزمة المصداقية السياسية
مقالة مصطفى عبدالعزيز الباطل عن زيارة وفد صمود إلى إسرائيل ومنصة جهينة
قراءة في تفاصيل تقرير “آفريكا إنتليجنس”، وسقوط أدعياء التحقق، والخلفيات التاريخية لتطبيع قوى الحرية والتغيير
متابعات – عاجل نيوز
ظهرت قبل سنوات منصة إلكترونية سودانية تُسمّي نفسها “جهينة”، وقدمت نفسها بوصفها منصة مستقلة ومحايدة، متخصصة في التحقق من الأخبار والشائعات، مع التركيز على المحتوى المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي.
وزعمت هذه المنصة أنها لا تتبع لأي حزب أو جهة سياسية أو دينية أو قبلية، وأن هدفها الأساسي هو التحقق من صحة المعلومات ودحض الأخبار الكاذبة والمضللة بكل مهنية وموضوعية تامة.
هذا النوع من المنصات الرقابية موجود في معظم الدول الغربية، ويحظى باحترام كبير لما يؤديه من دور مهني رفيع في مكافحة التضليل الإعلامي. لكنه، للأسف الشديد، لم ينجح في السودان،.
ولم يحظَ بالثقة أو التقدير اللازمين، لأن من تصدوا لهذه المهمة لم يكونوا، في نظر الكثيرين، سوى واجهة لتيار سياسي معروف، يستخدم شعار التحقق لتبييض صورة حلفائه والطعن في خصومه.
نشرت منصة “آفريكا إنتليجنس” الأوروبية، المقربة من المخابرات الفرنسية والمتخصصة في الشأن الأفريقي، خبراً يفيد بأن عدداً من قيادات تحالف الحرية والتغيير “صمود” قاموا بزيارة غير معلنة إلى إسرائيل.
ولم تمضِ سوى ساعات معدودة حتى سارعت جماعة “جهينة” إلى نشر بيان جازم أكدوا فيه أن منصتهم تحرّت وتقصّت وانتهت إلى أن الخبر كاذب، وكأنهم أرادوا القول إن المنصة الأوروبية مجرد بوق مأجور.
طرح الكاتب تساؤلاً جوهرياً حول كيفية توصل المنصة المزعومة إلى هذا الحكم القاطع، لتكشف تفاصيل بيانها أنها استندت إلى أمرين هجينين؛
الأول هو تواصلها مع أحد الأشخاص الواردة أسماؤهم فنفى الزيارة، والثاني أن المنصة الأوروبية أوردت الخبر دون الكشف عن مصدرها الأصلي حفاظاً على سريته.
وهو معيار لا يصدر عن مؤسسة تدعي الاحترافية، بل لا تقبل به حتى صحيفة حائطية في مدرسة ابتدائية.
لم يكن خبر زيارة وفد “صمود” إلى تل أبيب ليشغل بال الكاتب كثيراً، لولا اطلاعه على منشور للصحفي الكبير عثمان ميرغني، الذي أكد صحة ما نشرته المنصة الأوروبية.
وأكد ميرغني أن وفداً يمثل تحالف “صمود” برئاسة بابكر فيصل قام بالفعل بتلك الزيارة، وهو صحفي وثيق الصلة بالدوائر السياسية والدبلوماسية، ولا يلقي الكلام على عواهنه دون تدقيق ومعرفة دقيقة بخبايا الأمور.
أشار المقال إلى أنه لا حرج سياسياً على بابكر فيصل ورفاقه إن زاروا إسرائيل طلباً للدعم والمؤازرة، فالجميع يعلم أن السودان في عهد حكوماتهم بقيادة حمدوك مضى قدماً في مسار التطبيع.
وذكر الكاتب شواهد تاريخية واضحة، منها إزالة عبارة “ما عدا إسرائيل” من جواز السفر السوداني، والتوقيع على الاتفاقيات الإبراهيمية، .
ومرافقة عضو مجلس السيادة محمد الفكي لوفد إسرائيلي يضم مسؤولين عسكريين ومسؤولي موساد داخل منشآت منظومة الصناعات الدفاعية.
ختم الكاتب تحليله بالتأكيد على أن المشكلة الحقيقية ليست في الزيارة بحد ذاتها، بل في محاولة إنكارها جهراً رغم حدوثها سراً، وتسخير منصات تدعي الحياد لتمنح ذلك الإنكار ختم التحقق المزيف.
إن هذا التناقض الصارخ يعكس أزمة مصداقية حقيقية تعاني منها النخب التي تمارس التطبيع خلف الكواليس بينما ترفع شعارات مزيفة أمام جماهيرها على منصات التواصل الاجتماعي.