السودان يناور بين المحاور.. الخرطوم تبحث عن موقع جديد في الإقليم
السودان بين المحاور وموازين القوى الجديدة
من السعودية وتركيا إلى روسيا وباكستان.. هل تتحول جغرافيا السودان وثرواته إلى أوراق قوة؟
متابعات –عاجل نيوز
رشان أوشي
في منطقة تتغير فيها موازين القوى بصورة متسارعة، يجد السودان نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعه السياسي والاستراتيجي، لا باعتباره دولة تعاني حرباً وأزمة اقتصادية فحسب، وإنما باعتباره دولة تمتلك أوراقاً جغرافية واقتصادية وإقليمية تجعل تجاهلها أمراً صعباً.
وتقوم فكرة «السودان بين المحاور» على حقيقة أساسية، وهي أن الخرطوم لم تعد مضطرة إلى التعامل مع العالم من خلال نافذة واحدة، في ظل صعود قوى دولية وإقليمية متعددة وتراجع قدرة أي طرف منفرد على التحكم في مسارات السياسة الدولية.
فالسودان يمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وساحلاً يمتد لنحو 740 كيلومتراً، إلى جانب إمكانات زراعية ومعدنية كبيرة، وموقع جغرافي يربط العالم العربي بشرق ووسط أفريقيا.
هذه العوامل تجعل السودان أكثر من مجرد دولة في محيط مضطرب؛ فهو يقع عند نقطة تقاطع مصالح أمنية واقتصادية وتجارية متزايدة.
السعودية.. أمن البحر الأحمر
تأتي السعودية في مقدمة القوى الإقليمية التي ترتبط مصالحها بصورة مباشرة باستقرار السودان.
فأمن البحر الأحمر يمثل مصلحة استراتيجية للرياض، كما أن وحدة السودان واستقراره يؤثران في أمن الضفة الغربية للبحر الأحمر وحركة التجارة والملاحة في المنطقة.
ومن هنا يمكن تفسير أهمية العلاقات السودانية السعودية، التي لم تبدأ مع الحرب الحالية، وإنما تمتد إلى ملفات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع.
تركيا.. البحر الأحمر بوابة المصالح
تركيا بدورها راكمت خلال السنوات الماضية حضوراً متزايداً في السودان، مستفيدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين البلدين.
وتنظر أنقرة إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما جزءاً من مجال مصالحها الإقليمية الأوسع، الأمر الذي يجعل السودان إحدى الدول المهمة في حساباتها الاستراتيجية.
ومع استمرار إعادة تشكيل التحالفات الدولية، يمكن أن يتحول التعاون السوداني التركي إلى أحد مسارات إعادة بناء العلاقات الخارجية للخرطوم.
روسيا.. كسر الاحتكار الغربي
في الجانب الآخر، توفر العلاقات مع روسيا مساحة إضافية للمناورة السياسية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في مواقف موسكو داخل مجلس الأمن تجاه بعض المقترحات المتعلقة بالعقوبات على السودان، حيث تبنت مواقف أكثر تحفظاً تجاه توسيع الإجراءات العقابية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن السودان أصبح جزءاً من محور روسي، لكن وجود موسكو كلاعب دولي قادر على تعطيل بعض المسارات الغربية يمنح الخرطوم هامشاً أوسع في التفاوض.
باكستان.. لاعب جديد في المعادلة
كما تبرز باكستان باعتبارها دولة ذات قدرات عسكرية وعلاقات استراتيجية مع السعودية وتركيا.
ويفتح هذا التقاطع الباب أمام احتمالات تعاون أوسع في المجالات الدفاعية والتقنية والتدريبية، بما قد يضيف بعداً جديداً إلى شبكة علاقات السودان الخارجية.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الحلفاء، وإنما في قدرة الخرطوم على إدارة هذه العلاقات دون التحول إلى تابع لأي محور.
السودان لا يحتاج إلى محور جديد
هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية.
السودان لا يحتاج بالضرورة إلى الانتقال من محور إلى آخر، وإنما يحتاج إلى سياسة خارجية تقوم على تعدد الشراكات.
فبدلاً من أن يصبح السودان ساحة تتنافس فيها السعودية وتركيا وروسيا ومصر والإمارات والدول الغربية، يمكن أن يتحول إلى دولة تتفاوض مع جميع هذه الأطراف انطلاقاً من مصالحها الوطنية.
وهذا يتطلب تغييراً في طريقة التفكير في السياسة الخارجية.
فالسؤال لم يعد فقط: من يقف مع السودان؟
بل أصبح: ماذا يستطيع السودان أن يحصل عليه من علاقاته مع كل طرف؟
ومن يحترم سيادته؟
ومن يساعد في إعادة بناء مؤسساته؟
ومن يستطيع الاستثمار في موارده؟
ومن يمكنه المساهمة في إعادة إعمار البنية التحتية؟
ومن يملك القدرة على تحويل الموقع السوداني من عبء جغرافي إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية؟
معركة ما بعد الحرب
قد تكون المعركة الأصعب أمام السودان هي تلك التي ستبدأ بعد توقف الحرب.
فإعادة الإعمار ستحتاج إلى تمويل ضخم، وإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وإصلاح قطاعات النقل والطاقة والاتصالات، وجذب الاستثمارات الخارجية.
وهنا ستصبح العلاقات الدولية ورقة اقتصادية بقدر ما هي ورقة سياسية.
فالموانئ السودانية، والأراضي الزراعية، والثروة المعدنية، والموقع على البحر الأحمر، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات تفاوضية إذا أحسنت الدولة استثمارها.
لكن امتلاك الأوراق وحده لا يكفي.
الدول لا تتحول إلى قوى مؤثرة بسبب الموقع الجغرافي فقط، وإنما بسبب قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى نفوذ سياسي واقتصادي.
من ساحة صراع إلى مركز مصالح
الخطر الأكبر هو أن يتحول السودان إلى ساحة صراع بين المحاور.
أما الفرصة فهي أن يتحول إلى نقطة التقاء للمصالح.
وهذا يتطلب قيادة أكثر براغماتية في إدارة العلاقات الخارجية، وأقل اعتماداً على المواقف العاطفية، وأكثر قدرة على الموازنة بين المصالح.
فليس المطلوب أن يختار السودان واشنطن أو موسكو أو أنقرة أو الرياض، وإنما أن يجعل كل هذه العواصم تنظر إلى الخرطوم باعتبارها شريكاً له مصالحه وشروطه، وليس مجرد طرف ينتظر المساعدة.
وفي النهاية، فإن «السودان بين المحاور» قد يكون عنواناً لمرحلة جديدة إذا استطاعت الخرطوم استثمار أوراقها بصورة صحيحة.
فالسودان يمتلك الجغرافيا، والثروات، والموارد، والموقع البحري، والعمق الأفريقي والعربي.
وما ينقصه قبل كل شيء هو تحويل هذه العناصر من إمكانات كامنة إلى قوة تفاوضية حقيقية.
وعندها فقط يمكن للسودان أن ينتقل من دولة تتأثر بصراع المحاور إلى دولة تعرف كيف تستخدم المحاور لمصلحة شعبها ودولتها.