من صنع طريق التقسيم في السودان؟ أسئلة تسبق نغمة وحدة البلاد
تقسيم السودان.. من يتحمل مسؤولية الطريق إلى الانقسام؟
جدل مرتقب حول وحدة السودان ومسؤولية القوى السياسية والعسكرية عن مسار الحرب
متابعات – عاجل نيوز
أيمن شرارة
مع اقتراب أي تطورات سياسية أو عسكرية جديدة في السودان، من المتوقع أن يعود الحديث بقوة عن وحدة البلاد، وأن تتصدر الساحة تحذيرات من خطر تقسيم السودان، وسط تبادل الاتهامات حول الجهة التي تتحمل مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة.
لكن السؤال الذي يطرحه هذا الرأي لا يتعلق فقط بمن يرفع شعار وحدة السودان اليوم، وإنما بمن ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صناعة الظروف التي يمكن أن تقود إلى الانقسام.
فبدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات حول من يريد تقسيم السودان، يطرح المقال مجموعة من الأسئلة: من دعم مشروع حكومة تأسيس؟ .
ومن ساند استمرار التحالفات السياسية والعسكرية المرتبطة بها؟.
ومن تلقى أموالاً أو مكاسب سياسية، وفقاً لهذه الرواية، مقابل دعم المشروع؟ ومن وقف ضد الأصوات التي اختارت الانسحاب من التحالفات أو رفض استمرارها؟
ويرى صاحب الرأي أن الحديث الجاد عن وحدة السودان يجب أن يبدأ من موقف واضح تجاه وجود جيش موازٍ ومؤسسات سياسية موازية، باعتبار أن استمرار هذه البنى يمكن أن يرسخ واقعاً منفصلاً على الأرض ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً.
وبحسب هذا الطرح، فإن وحدة الدولة لا يمكن أن تستقر في ظل تعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية، خصوصاً عندما تصبح السيطرة على الأرض أساساً لإنشاء هياكل سياسية وإدارية منفصلة.
ويشير الكاتب إلى أنه منذ السنوات الماضية كان يرى أن الحرب في السودان لن تتوقف بمجرد الوصول إلى اتفاق مؤقت بين الأطراف، وأن الصراع يحمل أبعاداً تتجاوز الخلاف العسكري المباشر بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.
ويقول إن قناعته بخطر تقسيم السودان لم تبدأ مع التطورات الحالية، وإنما تشكلت لديه من خلال متابعته للتحالفات السياسية التي سبقت الحرب، والتي ضمت شخصيات وقوى مختلفة، ويرى أنها ساهمت في تهيئة المشهد الذي انتهى إلى المواجهة المسلحة.
كما يذكر الكاتب أسماء عدد من القيادات والشخصيات التي ارتبطت، بحسب روايته، بالتحالفات السياسية خلال تلك المرحلة، مشيراً إلى أن بعض هذه التحالفات ساهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري بصورة جعلت احتمالات الحرب أكثر حضوراً.
ويورد المقال كذلك اسم الجنرال عبدالله جنا، باعتباره، وفق معرفة الكاتب وروايته، من الشخصيات التي رفضت هذا المسار في وقت مبكر.
لكن الفكرة الأساسية في المقال لا تتوقف عند القوى السياسية أو القيادات العسكرية، وإنما تمتد إلى مستقبل المجتمعات التي وجدت نفسها في قلب الحرب.
ويحذر الكاتب من أن تقسيم السودان، إذا حدث، لن يعني بالضرورة أن الشخصيات التي تقود المشاريع العسكرية والسياسية الحالية ستصبح تلقائياً أصحاب القرار في الكيانات الجديدة.
ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن بعض المكونات الاجتماعية، وبينها قطاعات من عرب دارفور، قد تجد نفسها أمام واقع مختلف تماماً عن الصورة التي قُدمت لها خلال سنوات الحرب.
ويحذر المقال من أن شباباً من هذه المكونات دفعوا ثمناً بشرياً كبيراً خلال القتال، بينما قد تكون النتائج السياسية النهائية مختلفة عن الشعارات التي حُشدوا من أجلها.
كما يطرح الكاتب احتمال أن تتحول بعض القوى الاجتماعية نفسها إلى ضحية للصراع السياسي، إذا انتهت الحرب إلى ترتيبات تعيد توزيع النفوذ بعيداً عن القوى التي حملت السلاح أو شاركت في المعارك.
أما بالنسبة إلى قيادة الدعم السريع، فيطرح المقال رؤية مفادها أن استمرار أي مشروع سياسي لا يعني بالضرورة بقاء الأشخاص الذين قادوه في موقع القوة إلى الأبد، مشيراً إلى أن التحالفات السياسية والعسكرية قد تتغير عندما تتغير مصالح الأطراف الداعمة لها.
وتظل هذه الرؤية، في النهاية، ضمن إطار التحليل والتوقع السياسي، ولا يمكن الجزم بنتائجها قبل اتضاح مسار الحرب والتسوية السياسية في السودان.
والسؤال الأهم الذي يضعه المقال أمام الرأي العام هو: عندما يرتفع صوت التحذير من تقسيم السودان، هل يجب أن يبدأ النقاش من لحظة إعلان التقسيم أو ظهور كيان سياسي جديد، أم يجب أن يعود إلى السنوات التي سبقت الحرب، ويتتبع التحالفات والقرارات والخطابات والسياسات التي صنعت الطريق إلى الوضع الراهن؟
إن التاريخ السياسي لا يبدأ باللحظة الأخيرة من الأزمة، بل يمتد إلى سلسلة طويلة من القرارات والمواقف والتحالفات.
ولهذا فإن أي نقاش مستقبلي حول تقسيم السودان يحتاج إلى قراءة هذه السلسلة كاملة، بعيداً عن محاولة تحميل طرف واحد وحده مسؤولية كل ما حدث.
فالسؤال عن مستقبل وحدة السودان لن تكون الإجابة عليه بالشعارات وحدها، وإنما بتفكيك أسباب الحرب، وإنهاء تعدد الجيوش ومراكز القرار، وإعادة بناء دولة قادرة على احتواء تنوعها السياسي والاجتماعي، وضمان ألا تتحول الانقسامات الحالية إلى واقع دائم.
وفي النهاية، فإن الأيام المقبلة قد تكشف الكثير من الحقائق والمواقف، لكن الأهم أن يتذكر السودانيون أن الطريق إلى أي نتيجة سياسية لا يبدأ يوم إعلانها، وإنما يبدأ من القرارات التي صنعت الظروف المؤدية إليها.
والتاريخ، كما يقول صاحب هذا الرأي، لا يبدأ يوم إعلان التقسيم ولا يوم اندلاع الحرب، بل يبدأ من الذين صنعوا الطريق المؤدي إليها.