الطاهر حسن التوم | قرار التراجع عن إغلاق القنصلية بالإمارات: ارتباك في صناعة القرار أم خضوع لضغوط خارجية ❓️
عاجل نيوز
لم تكن المشكلة – في تقديري – في أن مجلس الأمن والدفاع، المنعقد برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وعضوية أبرز الفاعلين في الشأنين العسكري والتنفيذي، قد أصدر قرارًا تم التراجع عنه خلال 48 ساعة فقط.
ليست الأزمة في التراجع ذاته، بل في المبرر الذي ساقته وزارة الخارجية في تنويه مقتضب، أفادت فيه أن دواعي الإبقاء على القنصلية في الإمارات تعود إلى “الحرص على خدمة السودانيين المقيمين هناك”.
والسؤال هنا بسيط وبدهي:
ألم يكن هذا “الحرص” حاضرًا عندما اجتمع المجلس وقرّر سحب السفارة والقنصلية ؟
ألم يكن وكيل وزارة الخارجية حاضرًا في ذلك الاجتماع؟ أليس من واجبه أن يوضح للمجلس الآثار المترتبة على القرار، ويعرض التدابير التي تملكها الوزارة لمعالجتها؟
هل يُعقل أن يغفل مجلس بهذا التكوين – يضم قادة الدولة العسكريين والتنفيذيين – واحدة من أبسط الحيثيات في قرار على هذا القدر من الحساسية؟
ما يضاعف الحرج أن هذا المجلس – الذي أعاد البرهان بعثه من مرقده خصيصًا، ودونما مرسوم رسمي بإعادة تشكيله، ليحمل عنه عبء هذا القرار الذي اتُّخذ تجاه دولة تتصاعد الاتهامات بتدخلها السافر في الشأن السوداني منذ أكثر من عامين – هي قرارات تم التراجع عن أحدها بعد يومين فقط، وبمبرر غاية في الضعف والتضليل!
والأدهى من ذلك كله، غياب التقدير السياسي لأثر هذا التراجع على صورة الدولة وموقفها أمام الرأي العام، محليًا ودوليًا، في أخطر قضاياها وأشدها تعقيدًا.
فإذا كان السبب الحقيقي للتراجع هو مراعاة أوضاع السودانيين في الإمارات، فثمة وسائل معمول بها دوليًا لمعالجة مثل هذه الحالات، كتفويض سفارة دولة صديقة برعاية المصالح، دون الحاجة إلى الإبقاء على تمثيل دبلوماسي لدى دولة وُصفت رسميًا بالعدو.
إن كلفة التراجع عن القرار أكبر بكثير مما يُراد تحقيقه.
فلو كان إغفال أوضاع السودانيين هناك خطأ، فإن التراجع بهذه الطريقة وبهذا التبرير المرتبك يُعد خطأً أفدح، وأشد مساسًا بهيبة الدولة وصورتها وموقفها ممن يسعّرون الحرب.
وما يتبدى من هذا المشهد أن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون القرار أو التراجع عنه، بل في نمط متكرر من الارتباك في صناعة القرار، وغياب آليات المراجعة والمؤسسية.
فقرار القنصلية لا يبدو معزولًا عن سياق أوسع من التخبط الإداري والسياسي، بل يندرج ضمن سلسلة من القرارات المتضاربة والتراجعات التي شملت ملفات مهمة، كقرارات التعيين والإعفاء للوزراء والمسؤولين، والجدل المتجدد حول تشكيل الحكومة وتعيين رئيس الوزراء، لا مجرد “تكليفه”، والملاسنات العلنية في قضايا الفساد.
لن يُفهم التراجع عن قرار القنصلية باعتباره استجابة مرنة لمصلحة المواطنين كما يريد البعض أن يسوّق لذلك، بل سيبدو خضوعًا لضغوط خفية أو افتقارًا إلى رؤية متماسكة تجاه المشهد برمته.
وسيؤشر بوضوح إلى موضع الخلل الذي يلازم بلادنا منذ سنوات…
هناك، حيث نهج “الإبرة” يقود إلى التردد والبطء، ويخضع لضغوط الخارج، ويترك الأزمات تقود بعضها إلى بعض .