عاجل نيوز
محمد المسلمي الكباشي
رئيس الهيئة القومية لدعم القوات المسلحة
حين يكتب التاريخ عن معركة الكرامة، فإن سطورًا كثيرة ستتوقف عند هيئة الاستخبارات العسكرية، رجالٌ لم يظهروا في عدسات الإعلام، لكنهم كانوا عين الجيش التي لا تنام، وسيفه الخفي في معارك المصير. من قادتهم الكبار إلى أصغر أفرادهم، وقفوا في وجه العاصفة وأثبتوا أن الوطنية ليست شعارًا بل تضحية.
الفريق ركن محمد علي صبير، الرجل الذي تسلّم إدارة الهيئة في واحدة من أدق المراحل، كان في مقدمة الصفوف. لم تغره المناصب، ولم تمنعه الرتب من حمل البندقية والدخول إلى ساحات القتال من النقطة صفر. إدارته لهيئة الاستخبارات خلال الحرب كانت استثنائية بكل المقاييس، إذ واجهت الهيئة حملات تشويه ممنهجة من دوائر سياسية وإعلامية أرادت أن تنال من مؤسسات الدولة الوطنية.
اتهموهم بأنهم “كيزان”، ثم “بعثيون”، ثم سربوا الأكاذيب، لكن كل ذلك لم يزدهم إلا ثباتًا وصمتًا ناطقًا بالإخلاص. كانت الهيئة في صمتها تنجز المهام، وترصد تحركات العدو، وتنسق العمليات في أصعب الظروف.
حين بدأت الحرب، كانت المعلومات في أيدٍ أمينة. عمليات اختراق استخباراتي عميقة أجهضت مخططات العدو في مهدها. من مقتل البيشي، إلى تفكيك خلايا، إلى عودة قيادات من قوات “درع السودان” مثل كيكل، كلها إنجازات تعود جذورها إلى جهد الهيئة وصبر رجالها.
وكانت الدماء الطاهرة من شهدائها، الذين واجهوا الموت من مكاتبهم دون تراجع، دليلاً آخر على أن هؤلاء أوفوا بما عاهدوا الله عليه. أما الجرحى والمفقودون، فهم عنوان لتضحيات صامتة لا تنسى.
ولا يفوتنا أن نذكر بالدور الكبير الذي لعبه سعادة اللواء حسن بلال، والجهد المتواصل من سعادة اللواء ود البلة مدير الشؤون الإدارية، في تنظيم العمل والمهام الأمنية، التي كانت تُدار وكأن البلاد في حالة سلم لا حرب، رغم حصار القيادة والخرطوم.
ما قدمته هيئة الاستخبارات في معركة الكرامة لم يكن مجرد أداء مهني، بل كان وفاءً مطلقًا للوطن. لا نكتب هذا من باب المدح، بل من باب التوثيق، ليعلم الجميع أن هناك من حملوا الوطن في عيونهم وصدورهم، ومضوا في طريق التضحية بصمت، ليحيا السودان.