عاجل نيوز
منذ توقيع “اتفاق جوبا” في 2020، ظلّت التناقضات السياسية كامنة تحت السطح، تنتظر لحظة الانفجار، وها هي اليوم تتجلى بوضوح في مشهد الحرب والاحتقان السياسي .
حيث يتقاطع صراع المصالح مع جراح الوطن المفتوحة، وتتكشف حقائق موجعة عن الأطماع والهيمنة، في وقت يحتاج فيه السودان إلى أقصى درجات الحكمة وتنازلات تاريخية تحفظ ما تبقى من جسده المنهك.
نص المقال
لقد تأخَّر خروج هذا الصراع إلى السطح، ولكنه ظل قائماً منذ العام ٢٠٢٠م، تاريخ توقيع “اتفاق جوبا”. هذه المواجهات كانت منتظرة، ولكن اللحظة السودانية كانت سبباً ظرفياً في تجنبها.
هذه الحرب تركت جروحاً غائرة، ما في الأعماق ظهر على السطح، ولكن ثمة دروس مستفادة، لا بد أن نتوقف أمامها بالفحص والدرس، قبل أن يحترق السودان.
أول هذه الدروس، أن نفهم أن هذه الحرب هي مجرد أداة من أدوات مشروع الهيمنة الذي يعتقد أن هناك فرصة سانحة للاستيلاء على السودان برمته، وليس بالقوة العسكرية وحدها، ويدرك أيضاً أن هناك قوى ممانعة لهذا الطموح غير المشروع.
عثرات تواجه حكومة الحرب التي يعمل رئيس الوزراء بصعوبة على تشكيلها، ربما تكون هي ذاتها امتداداً للأزمة وتعبيداً لطريق الانهيار، إذا أصرت بعض الحركات المسلحة على الاستمرار في الأوضاع التي خلفتها شراكة الجيش وقوى الحرية والتغيير التي أُفلتت في أكتوبر ٢٠٢١م.
“اتفاق جوبا” نصّ على نسبة شراكة ٢٥٪ تتقاسمها جميع الفصائل الموقعة عليه، ولم ينص على ميزة تفضيلية لحركة مسلحة دون غيرها حتى تُمنح وزارات إيرادية بعينها، ولم ينص أيضاً على تسمية الحقائب الوزارية التي تقع ضمن أنصبة أطرافه.
إصرار حركتي “تحرير السودان – مناوي” و”العدل والمساواة” بقيادة د. جبريل إبراهيم على وزارتي “المالية” و”المعادن” يفتح باب التكهنات واسعاً حول الأهداف والمطامع.
وفي ذات المنحى، يواجه الشريك العسكري صعوبات في حسم الأمر، خشية أن يتهمه شركاؤه بمحاولة الهيمنة على السلطة، بينما تُمارس عليه أطراف أخرى موقعة على الاتفاق ضغوطاً هائلة من أجل إنصافها في الحصول على نصيبها الذي استولت عليه حركتان فقط.
لا غرابة أصلاً أن تكون هناك أزمة ثقة بين شركاء السلطة، التراشقات الأخيرة كرّست أزمة ثقة عميقة.
هذا المشهد يعطينا درساً مهماً، مفاده أن تجربة الحرب هذه تؤكد ضرورة وأهمية حماية الجبهة الداخلية، وهذا يتطلب تقديم كل التنازلات الممكنة. السودانيون في “دارفور” و”كردفان” ينتظرون الخلاص من جحيم الجنجويد، ولن يغفروا لمن تركوهم يواجهون مصيراً دموياً وانصرفوا لتقسيم السلطة.
الدروس قاسية في هذه الحرب، لكنها مفيدة لمن لديه حكمة وتقدير سياسي صحيحان.
محبتي واحترامي.