سهير عبدالرحيم تفتح ملف صمت الدولة تجاه رموز الصمود
متابعات – عاجل نيوز
بقلم: سهير عبدالرحيم
خلف الأسوار
في بلدٍ أنهكته الحرب وامتحنت فيه القيم قبل البنية التحتية، تبدو المفارقات أكثر قسوة من الرصاص. لم يتبقَّ متعاون مع مليشيا الدعم السريع، أو صاحب موقف رمادي، .
أو متسلّق يبحث عن موطئ قدم في السلطة، إلا ووجد من يهرول إليه بالزيارات والاطمئنان والتكريم، .
بينما ظل قلب الفتى الأبنوسي عاطف السماني يخوض معركته الصامتة مدعومًا بالأجهزة الطبية، ليبقى قلب الخرطوم نابضًا بالحياة والكرامة.
عاطف، الذي خضع لعملية قلب بمستشفى علياء، لم يجد هرولة المسؤولين نحوه كما يهرولون إلى سواقط المشهد العام والمتردية والنطيحة وما أكل السبع سياسيًا وأخلاقيًا.
غاب السؤال الإنساني البسيط: أين الدولة حين يمرض رمز من رموز الصمود الشعبي؟
أين زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان؟ وأين زيارة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس؟ .
أين الحكومة من صاحب المقولة التي أصبحت ذاكرة جمعية: «مسارحنا تاتشراتنا»؟ ومن يضع برامج الزيارات؟ ومن يخطط لهذه العثرات المتكررة؟.
ومن يرسم هذا المشهد المقلوب الذي يكافئ الانتهازية ويهمل القيم؟
وإذا تجاوزنا رأس الدولة، يظل السؤال حاضرًا: أين الدور الحقيقي للمستشارين الإعلاميين في توجيه بوصلة الرمزية الوطنية؟ هل تقتصر المهمة على صياغة بيانات منضبطة لغويًا، .
أم تمتد لصناعة مشهد أخلاقي يليق بتضحيات الناس؟ .
من يُذكّر صناع القرار بأن عاطف ليس مجرد فنان، بل ذاكرة مقاومة مدنية، وصوت ظل حاضرًا وسط القصف والخوف والجوع والمرض؟
هل كان ينبغي على عاطف أن يحمل سلاحًا في صف المليشيات ليحصل على زيارة؟ أم أن يصمت عن الإدانة ليُكافأ؟.
أم يرفع شعارات غوغائية ليُلفت انتباه السلطة؟ أسئلة موجعة لكنها تكشف حجم الاختلال في ميزان التقدير العام.
ومع ذلك، فإن الحقيقة الأعمق أن عاطف لا يحتاج تكريمًا رسميًا ولا زيارة بروتوكولية. عاطف كرّمته القلوب قبل المؤسسات، .
وحفر الشعب اسمه في الذاكرة الجمعية باعتباره نموذجًا للثبات، والإنسانية، والانحياز للناس في أحلك الظروف. زارته المحبة قبل أن تزوره المواكب.
خارج الأسوار، الرجال مواقف. وعاطف كان موقفًا حين كانت ترتجف شوارب أشباه الرجال. كان قيمةً رآها الناس بوضوح، حتى وإن غاب بصر بعض المؤسسات عن التقاط معناها.
الصورة المرفقة تعود لمشاركة عاطف العام الماضي في توزيع البطاطين على المحتاجين في معسكرات النزوح ودور الإيواء — مشهد يلخص معنى الوطنية بعيدًا عن الأضواء والضجيج.