عاجل نيوز
عاجل نيوز

زلزال في وجدان الجيش.. ترجل أسطورة الصمود طارق الهادي

ترجل العميد طارق الهادي بعد مسيرة بطولية في معركة الكرامة

من قلب الحصار إلى ذاكرة الوطن.. طبيب الكرامة الذي هزم الخوف

 

عاجل نيوز

عبدالسلام مدثر

ليس خبراً عادياً أن يُحال العميد طارق الهادي إلى المعاش… وليس حدثاً عابراً أن يترجل رجلٌ بحجمه عن صهوة جواد القوات المسلحة. فهنا لا نتحدث عن نهاية خدمة، بل عن لحظة فارقة في ذاكرة جيشٍ يعرف جيداً قيمة الرجال الذين يقفون حين يتراجع الآخرون، ويثبتون حين تتكسر الإرادات.

في زمنٍ كانت فيه البلاد تمور بالقلق، وكانت البنادق تتكلم في كل اتجاه، خرج العميد طارق الهادي من صمت المهنة إلى صخب الميدان، لا ليكون مجرد طبيب يضمد الجراح، بل ليكون روحاً تقاتل، وإرادةً لا تنكسر، وصوتاً يزرع الطمأنينة في القلوب التي أثقلها الخوف.

لم يكن العميد طارق الهادي طبيباً عادياً في السلاح الطبي، بل كان جبهةً كاملة من الصمود. في معركة الكرامة، حيث الحصار يطبق من كل الجهات، وحيث تختنق الأنفاس تحت ضغط المواجهات، ظل واقفاً، ثابتاً، يؤدي دوره في أخطر الظروف، كأنما خُلق لتلك اللحظات.

سنتان من الحصار… سنتان من الدم والعرق والتحدي، لم تكن مجرد زمنٍ عابر في حياة هذا الرجل، بل كانت اختباراً قاسياً لمعادن الرجال.

هناك، في قلب المعاناة، كان العميد طارق الهادي يكتب سطوره بصمت، يداوي جراح الجنود، يربت على أكتافهم، ويعيد إليهم القدرة على الوقوف من جديد.

كان يعرف أن المعركة ليست فقط بالسلاح، بل بالمعنويات، لذلك لم يكن دوره محصوراً في العلاج، بل كان قائداً معنوياً حقيقياً.

كلماته كانت ترفع الروح، ووجوده كان يبدد الخوف، وصموده كان رسالة واضحة: أن الوطن لا يُترك، وأن المعركة لا تُخاض بنصف قلب.

في اللحظات التي تراجعت فيها بعض الأصوات، كان صوته عالياً.

وفي الأيام التي اضطربت فيها المواقف، كان ثابتاً لا يتزحزح.

لم يكن يبحث عن ضوءٍ أو شهرة، بل كان يعمل في صمت الرجال الكبار، أولئك الذين تصنع أفعالهم التاريخ دون أن يكتبوا اسمه بأيديهم.

رفاقه في الميدان لم يروا فيه مجرد ضابط، بل رأوا فيه سنداً، ورأوا فيه ذلك الرجل الذي يمكن الاعتماد عليه حين تضيق الخيارات.

كان يقف بينهم كجدارٍ صلب، لا ينكسر، ولا يسمح لليأس أن يجد طريقه إلى النفوس.

وفي معركة الكرامة، لم يكن العميد طارق الهادي مجرد شاهدٍ على الأحداث، بل كان واحداً من صُنّاعها.

كان حاضراً في التفاصيل، في الألم، في الصمود، في تلك اللحظات التي تُصنع فيها المعاني الكبرى. هناك، كتب اسمه في ذاكرة المعركة، لا بالحبر، بل بالمواقف.

إحالته إلى المعاش اليوم، لا تعني أن دوره انتهى، ولا أن تأثيره سيتلاشى.

فمثل هؤلاء الرجال لا تغلق صفحاتهم بقرار إداري، بل تبقى سيرتهم مفتوحة في وجدان الناس، تُروى للأجيال، وتُستعاد كلما احتاج الوطن إلى معنى حقيقي للثبات.

إن العميد طارق الهادي يمثل نموذجاً نادراً لرجل جمع بين المهنية والبطولة، بين الإنسانية والصلابة، بين الطب والميدان.

كان يعالج الجسد، لكنه في الحقيقة كان يرمم الروح، ويعيد بناء الإنسان في أصعب الظروف.

اليوم، يترجل هذا الفارس، لكن صهيل مواقفه لا يزال يتردد.

يغادر موقعه الرسمي، لكنه يترك خلفه إرثاً من الشجاعة والصدق والانتماء.

يغادر الميدان، لكن حضوره سيبقى في كل قصة تُحكى عن معركة الكرامة، وفي كل ذاكرة جندي عرف معنى أن يكون له قائد لا يتراجع.

التحية لك أيها العميد… لم تكن مجرد طبيب، ولم تكن مجرد ضابط…

كنت مدرسة في الصمود، وراية في زمن العواصف، وقصة لن تُنسى في كتاب الكرامة السودانية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.