عاجل نيوز
عاجل نيوز

دعم إثيوبيا لحميدتي … رحلة من “الوفاء” إلى “الغزو”: قصة الطائرة التي غيرت التاريخ

تحليل معمق يكشف تورط إثيوبيا المباشر في حرب السودان عبر دعم قوات الدعم السريع.

 

كواليس الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع عبر حدود النيل الأزرق وتفاصيل المعسكرات السرية في “أصوصا”.

 

متابعات – عاجل نيوز 

بدأت العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا بمشهد بطولي في مايو 1991، حين أقلع ضابط استخبارات سوداني بمروحية متهالكة لينقذ ميليس زيناوي ويوصله إلى السلطة.

كان الرهان السوداني حينها أن استقرار إثيوبيا هو مفتاح أمن السودان، لكن بعد ثلاثة عقود، تبدلت الآية تماماً في ظل حكم آبي أحمد.

اليوم، يجد السودان نفسه أمام مفارقة مؤلمة؛ فالدولة التي ساهمت في بناء النظام الإثيوبي الحديث تتعرض الآن لما وصفه مسؤولون محليون بـ “الغزو”.

الاتهامات السودانية الرسمية تشير بوضوح إلى أن بصمات آبي أحمد باتت واضحة على البنادق التي تهدد وحدة البلاد واستقرارها.

معارك الكرمك.. خنجر إثيوبي في خاصرة النيل الأزرق

مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، اشتعلت جبهة إقليم النيل الأزرق بسقوط بلدة “الكرمك” الإستراتيجية.

هذه البلدة ليست مجرد نقطة حدودية، بل هي حلقة وصل حيوية تتحكم في موارد المياه والكهرباء، وقريبة جداً من خزان الروصيرص، أحد أعمدة الأمن القومي السوداني.

تشير التقارير الميدانية إلى أن الهجوم على الكرمك انطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديداً من مدينة أصوصا.

السيارات والمقاتلون عبروا الحدود بتنسيق لافت، مما أثار غضب قيادة الجيش السوداني التي اعتبرت صمت أديس أبابا بمثابة اعتراف ضمني بالانخراط المباشر في العمليات العسكرية لصالح الدعم السريع.

كواليس المعسكرات السرية: ما وراء حدود “أصوصا”

كشفت تحقيقات استقصائية وصور أقمار صناعية عن وجود معسكر ضخم في منطقة “مينغي” بإقليم بني شنقول الإثيوبي.

هذا المعسكر، الذي يبعد 32 كيلومتراً فقط عن الحدود، صُمم لاستيعاب آلاف المقاتلين وتدريبهم على تقنيات القتال الحديثة تحت إشراف قوى إقليمية داعمة لقوات حميدتي.

لم يتوقف الأمر عند التدريب البري، بل رصدت مراكز أبحاث دولية تطويرات في مطار أصوصا لدعم الطيران المسير.

هذه المسيرات، التي استهدفت مدناً سودانية، تنطلق من قواعد إثيوبية رسمية، مما ينقل أديس أبابا من دور “الوسيط” التاريخي إلى فاعل ميداني يسعى لتغيير موازين القوى في السودان.

أطماع البحر الأحمر: لماذا يغامر آبي أحمد؟

يرى محللون سياسيون أن تحركات آبي أحمد في السودان ليست عشوائية، بل هي جزء من إستراتيجية “القفز إلى الأمام”.

رئيس الوزراء الإثيوبي، المحاصر بأزمات اقتصادية واضطرابات عرقية في أقاليم الأمهرة وأورومو، يحاول تصدير أزماته عبر تعزيز نفوذه الإقليمي والوصول إلى البحر الأحمر.

الحلم الإثيوبي بالوصول إلى منفذ بحري سيادي، سواء عبر صوماليلاند أو عبر خلق واقع جديد في السودان، يدفعه للتحالف مع “فاعلين دون الدولة”.

حميدتي، بمرونته العسكرية وثرواته، يمثل لأديس أبابا شريكاً أسهل من “المؤسسة العسكرية” التي تلتزم باتفاقيات الحدود والسيادة الصارمة، خاصة في منطقة الفشقة.

ثروة الذهب السوداني.. وقود الحرب العابر للحدود

برز الذهب كعامل حاسم في تفسير الدعم الإثيوبي؛ ففي الوقت الذي تراجع فيه الاقتصاد السوداني، تضاعفت صادرات إثيوبيا من الذهب بشكل مفاجئ.

التقارير تشير إلى أن مدينة “شاير” الإثيوبية تحولت إلى مركز إقليمي لتهريب الذهب السوداني وتغيير منشئه لتمويل المجهود الحربي.

هذا “النزيف المنظم” للثروات السودانية يمر عبر شبكات معقدة تربط جبهات القتال في النيل الأزرق بالأسواق العالمية عبر المطارات الإثيوبية.

إن السيطرة على مناطق الإنتاج في السودان تمنح إثيوبيا عائداً اقتصادياً ضخماً يساعدها على تجاوز أزمات الديون الخانقة التي تلاحق نظام آبي أحمد منذ سنوات.

صراع المحاور: القاهرة وأديس أبابا فوق أرض السودان

لا يمكن فصل الدور الإثيوبي عن التنافس المحموم مع مصر؛ فتقارب الخرطوم والقاهرة في ملف سد النهضة أزعج أديس أبابا بشدة.

المناورات العسكرية المشتركة بين الجيشين المصري والسوداني دفعت إثيوبيا للبحث عن أوراق ضغط بديلة، ووجدت في دعم قوات الدعم السريع وسيلة لإشغال الجيش السوداني وتأمين حدود السد.

في المقابل، تحركت القاهرة لتعزيز وجودها في الصومال وإريتريا، مما خلق حالة من “التطويق المتبادل”.

السودان اليوم هو الساحة الرئيسية لهذا الصراع الإقليمي، حيث تحاول كل قوة تأمين مصالحها الجيوسياسية على حساب دماء السودانيين وأمنهم واستقرار دولتهم التي باتت مهددة بالتفكك.

المستقبل المفتوح: هل ينجو السودان من “الفخ” الإقليمي؟

يدخل السودان عامه الرابع من الحرب وهو مثقل بدمار شامل ونزوح جماعي، بينما تتحول حدوده إلى ممرات للسلاح والذهب المهرب. ا

لرهان الإثيوبي على حميدتي قد يمنح أديس أبابا مكاسب مؤقتة، لكنه يهدد بانزلاق المنطقة بأكملها نحو صدام إقليمي واسع لا يستثني أحداً.

إن المفارقة التاريخية تكتمل اليوم؛ فالدور الذي لعبته الخرطوم في تغيير قواعد السلطة في إثيوبيا قبل عقود، تحاول أديس أبابا استنساخه الآن “بصورة معكوسة”.

يبقى السؤال الأهم: هل سيسمح الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية بأن تُرسم خريطة بلادهم في أروقة العواصم المجاورة مقابل حفنة من الذهب وحلم بمنفذ بحري؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.