عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
راتب الـ44 مليوناً وسر تغيّر سياسات البنك.. عادل الباز يرد على منتقدي آمنة ميرغني تطورات صادمة ... قبل بلوغ الدبة.. اعتقال قائد بارز بالمليشيا حاول تسليم نفسه للجيش دفاعاً عن آمنة ميرغني.. عادل الباز يرد على منتقدي راتب محافظ بنك السودان اعترافات مرتزق كولومبي تكشف طريق المقاتلين الأجانب إلى نيالا عمليات نصب واسعة تستهدف السودانيين في مصر عبر تطبيق «بنكك».. والإمساك بأحد المحتالين واسترداد الأموا... مسيرة انتحارية تستهدف منزل قيادي رفيع بالقوة المشتركة في الأبيض.. ونجاته بأعجوبة بأوامر من أدم قارح .. جـ ريمة مروعة في منطقة أم هجيليج بدار الزيادية .. تصـ.فية 11 شاباً من أبناء ال... الكتلة الديمقراطية في تصريح صحفي حاسم: لن نعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار ولن نقبل بصفقات إعادة توز... صاحب سيارة «التوسان» يروي تفاصيل واقعة شارع النيل بأمدرمان ويكشف ملابسات الفيديو المثير للجدل مشروع عقبة ياس.. صراع النفوذ يكشف أزمات شرق السودان

السودان ينتج ذهباً بـ26 مليار دولار… فلماذا لا يزال الاقتصاد يبحث عن الدولار؟

بروفيسور محجوب هجانة يكشف أسباب عجز الموارد عن دعم الاقتصاد الكلي وغياب الأثر التنموي للثروات

 

مفارقة الذهب والدولار في السودان

 

متابعات – عاجل نيوز 

في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، يبرز دائماً التساؤل الأكثر إلحاحاً وحيرة في الشارع والاقتصاد والدوائر الرسمية على حد سواء: كيف لبلد ينتج ثروات هائلة من المعدن النفيس تُقدر بـ 199 طناً سنوية، .

وتبلغ قيمتها السوقية نحو 26 مليار دولار، أن يعاني طوال هذه السنوات من شح حاد في النقد الأجنبي، وتهاوي متواصل في قيمة العملة الوطنية، واختلالات هيكلية عميقة في ميزان المدفوعات؟

هذه المفارقة الصادمة لم تعد مجرد حديث عابر للشارع، بل شكلت محور نقاش علمي واقتصادي عميق أجراه مؤخراً اللقاء الصحفي الاقتصادي مع البروفيسور محجوب هجانة، المستشار والخبير في الاقتصاد القياسي،.

والباحث في الشؤون الاقتصادية الهندية، والذي وضع النقاط على الحروف كاشفاً عن الفجوة الكبيرة بين “الأرقام الورقية” في قطاع التعدين وبين “الواقع الفعلي” للدورة الاقتصادية الرسمية.

أولاً: أين تذهب عائدات الذهب؟ (معضلة الاقتصاد الكلي)

يؤكد البروفيسور محجوب هجانة أن قراءة المشهد الاقتصادي لا تتم عبر استعراض الأرقام الضخمة لإنتاج الذهب أو الاستخراج فحسب، بل من خلال تتبع مسار هذه الثروات في منظومة الاقتصاد الكلي. وفي هذا السياق، يوضح هجانة رؤيته العلمية بالقول:

“في الاقتصاد الكلي، لا تُقاس قوة الاقتصاد بما يخرج من باطن الأرض، بل بما يدخل إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، ويعزز الاحتياطيات من النقد الأجنبي، ويدعم استقرار سعر الصرف، ويحسن ميزان المدفوعات، ويرفع الناتج المحلي الإجمالي، ويزيد الاستثمار والإنتاجية.”

وعليه، فإن الغياب شبه الكامل لانعكاسات إنتاج القدر الهائل من الذهب على الاحتياطيات النقدية للبلاد يطرح علامات استفهام كبرى حول تسريب هذه الثروات، وعمليات التهريب الممنهج،.

ووجود قنوات موازية وغير رسمية للاستحواذ على عائدات التعدين الأهلي والشركات الكبرى، مما يحرم الخزينة العامة والدولة من الموارد الحيوية التي يُفترض أن تمول الاحتياجات الأساسية للاستيراد وتثبيت استقرار سعر الصرف.

ثانياً: مقاربة الاقتصاد القياسي.. عندما تصطدم الأرقام بالواقع

في تحليل علمي دقيق، ينقلنا البروفيسور هجانة من لغة التمنيات إلى لغة القياس والتحليل الاقتصادي الرشيد، مشيراً إلى أنه في علم الاقتصاد القياسي لا تكفي الأرقام الضخمة وحدها لإثبات النجاح الاقتصادي أو التنموي.

العبرة الحقيقية تكمن في طبيعة العلاقة السببية والارتباطية بين المتغيرات الاقتصادية المختلفة، ومدى انعكاس حجم الإنتاج المادي على المؤشرات الكلية للدولة.

ويضيف هجانة موضحاً المنهجية العلمية الصحيحة في إدارة الأزمات:

“وإذا لم يظهر الأثر المتوقع، فإن التحليل العلمي يقتضي مراجعة البيانات، وتقييم السياسات، وقياس كفاءة إدارة المورد، بدلاً من الاكتفاء بعرض أرقام الإنتاج.”

هذا الطرح يعري القصور الإداري والتشريعي المتعاقب في التعامل مع قطاع الذهب، حيث يتم الاكتفاء بالإعلان عن تقديرات الإنتاج الضخمة لأغراض إعلامية، بينما تظل السياسات المالية والنقدية عاجزة عن ربط هذا الإنتاج بالدورة المصرفية الرسمية، مما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة الموارد الاستراتيجية.

ثالثاً: دقة البيانات وشفافية الإفصاح.. أساس اتخاذ القرار

لا يمكن الحديث عن اقتصاد سليم في ظل غياب المعلومة الدقيقة. وهنا يشدد البروفيسور محجوب هجانة على أن الاقتصاد الإحصائي والقياسي يقوم بصفة أساسية على دعامتين لا غنى عنهما: دقة البيانات وشفافية الإفصاح.

فالقرار الاقتصادي الرشيد وصياغة السياسات البديلة لا يمكن أن تُبنى على التكهنات أو الانطباعات الذاتية، بل يجب أن تستند إلى مؤشرات علمية قابلة للتحقق والتدقيق والتحليل المستمر.

إن غياب أرقام حقيقية وموثوقة حول حجم التصدير الفعلي للذهب، وحجم العائدات التي تدخل عبر قنوات بنك السودان المركزي، يفتح الباب واسعاً أمام الفساد وضياع حقوق الدولة والمواطن على حد سواء.

رابعاً: ثورة الاقتصاد الرقمي وحوكمة التعدين

في عالم اليوم، لم تعد إدارة الثروات الباطنية تتم بالطرق التقليدية والبيروقراطية القديمة؛ فقد أصبح الاقتصاد الرقمي والتحول التكنولوجي من أهم وأقوى أدوات إدارة الموارد الطبيعية بكفاءة عالية.

ويرى الخبير الاقتصادي أن الحل الجذري لمعضلة الذهب في السودان يكمن في رقمنة قطاع التعدين بشكل كامل؛ وذلك عبر تتبع مراحل الإنتاج بدقة، وربط عمليات البيع، والتصدير، والتحصيل المالي بمنظومات إلكترونية وسحابية متكاملة ومؤمنة .

من شأن هذه الخطوة أن تعزز مستويات الشفافية، وترفع كفاءة تخصيص الموارد المتاحة، وتقضي على الثغرات التي تنفذ من خلالها شبكات التهريب، فضلاً عن بناء ثقة صلبة ومستدامة مع المستثمرين والشركاء الإقليميين والدوليين.

خامساً: الذهب وسيلة أم غاية؟ (خلاصة فكرية وتنموية)

يختتم البروفيسور محجوب هجانة رؤيته الاقتصادية العميقة برسالة بليغة تلخص الداء والدواء في التجربة السودانية قائللاً:

«الذهب لا يصنع الازدهار بمفرده؛ فالاقتصاد قد لا يعاني من نقص الموارد، بل من تحدي تحويلها إلى قيمة مضافة وتنمية مستدامة. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الاقتصاديين وصناع القرار ليس: كم طنًا أنتجنا؟ .

بل: كم دخلًا رسميًا تحقق؟ وما أثره في الاحتياطيات، وسعر الصرف، والاستثمار، ومستوى معيشة المواطن؟ فالتاريخ الاقتصادي لا يتذكر الدول التي امتلكت الموارد، بل الدول التي أحسنت إدارتها. والثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض، وإنما ما تحوله الإدارة الرشيدة إلى استقرار اقتصادي، ونمو مستدام، ورفاه للمواطن. حفظ الله السودان واقتصاده.»

خاتمة التقرير

إن أزمة الاقتصاد السوداني في علاقته بالدولار والذهب ليست أزمة ندرة أو فقر في الموارد، بل هي أزمة إدارة وحوكمة وشفافية. فحين تتحول مليارات الدولارات من الذهب الخام إلى أرقام مهدرة خارج الدورة الرسمية، تظل الخزينة العامة خاوية ويبحث المواطن عبثاً عن الاستقرار المعيشي.

ولن يخرج الاقتصاد السوداني من نفق الأزمة إلا باعتماد رؤية علمية صارمة، ورقمنة حقيقية لقطاع التعدين، وإرادة سياسية واضحة تعلي مصلحة الوطن والدورة الاقتصادية الرسمية فوق أي مصالح ضيقة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.