الإمارات في قفص الاتهام الدولي(2) | السودان يصفع الإمارات في لاهاي ويُسقِط قناعها الإنساني وقواها الناعمة”
عاجل نيوز
صباح المكى
بعد أن استعرضنا في الجزء الأول كيف قدم السودان مرافعة قانونية محكمة أمام محكمة العدل الدولية، مدعومة بأدلة دامغة حول تورط الإمارات في جريمة الإبادة الجماعية، ننتقل في الجزء الثاني إلى تفكيك النتائج السياسية والإعلامية لهذه المواجهة القانونية.
وفي حال قبلت المحكمة الدفع الإماراتي بعدم الاختصاص، فإن ما ستحققه الإمارات لا يتجاوز مكسبًا إجرائيًا هشًا، لكنه، في المقابل، سيمثّل خسارة أخلاقية واستراتيجية كبرى، لن تستطيع الإمارات احتواء تبعاتها سياسيًا أو إعلاميًا، مهما سخّرت من أدوات دبلوماسية أو منصات نفوذ.
لا سيما في ظل التوثيق المقدم، والذي أصبح جزءًا من الذاكرة الحقوقية الدولية. السودان، بجرأته، نجح في تحويل القضية من نزاع ثنائي إلى نموذج يحتذى به، وفرض سردية جديدة: أن الدولة التي تموّل وتدير الجريمة لا يمكنها بعد اليوم أن تُكرّم على موائد المانحين أو تُقدم للعالم كرمز “للاعتدال”.
إعلاميًا، تحطّم القناع الذي ارتدته الإمارات لعقود. الإمارات، التي لطالما روّجت لنفسها كدولة حديثة، راعية للسلام، محايدة في النزاعات، وقائدة للدبلوماسية الإنسانية في المنطقة، وجدت نفسها فجأة أمام مرآة لا ترحم: مرآة العدالة الدولية.
فالقناع الذي لطالما ارتدته في المحافل الدولية بدأ يتساقط أمام سيل الأدلة، وتحت ضغط الأسئلة القانونية، وفي ظل صمتها المريب عن الاتهامات الجوهرية.
لم تعد الإمارات قادرة على التحكم في سرديتها. ولم يعد بإمكانها الاختباء خلف عناوين المؤتمرات ومبادرات “الاستقرار الإقليمي”، بينما تكشف الأدلة أنها كانت تزرع بذور الفوضى في السودان،
وتدير الحرب من خلف الستار عبر مليشيا الدعم السريع. المساعدات باتت تُقرأ كأغطية لتهريب السلاح، واستثمارات الذهب تُفكك على أنها قنوات تمويل دموي، ورموز “الهلال الأحمر” التي لطالما مثّلت الإغاثة تحوّلت في الوعي العام إلى غلاف ملغوم لشحنات القتل.
لقد قدّم السودان، رغم جراحه، الرواية المقابلة التي مزّقت الخطاب الإماراتي المصنوع بعناية. رواية مبنية على وقائع لا على شعارات، ومسنودة بوثائق، لا بادعاءات. كشف السودان – أمام العالم – عن البنية الخفية للنفوذ الإماراتي في الإقليم:
شبكة ممتدة من الدعم المادي واللوجستي لمليشيات خارجة عن القانون، وتدخل ممنهج يعصف بالجغرافيا السياسية لصالح مشاريع توسعية.
في لاهاي، لم يكن السودان وحده من قدّم مرافعته. بل كانت إفريقيا تتكلم، والجنوب العالمي يراقب، والتاريخ يُدوّن. فالإمارات، بوقوفها في قفص الاتهام، لم تُحاسب فقط على ما فعلته في السودان، بل بدأت تُسأل عما فعلته في ليبيا، واليمن، والصومال، وساحات عربية وأفريقية أخرى.
وهنا تكمن الخطورة على مشروعها الدولي. لم تعد صورتها في العواصم الغربية تُبنى على تقارير مراكز الأبحاث المدفوعة أو دعايات “التسامح الديني”، بل على وقائع جنائية، وملفات حقوقية، وشهادات ضحايا. لم تعد تُستقبل كوسيط نزيه، بل يُنظر إليها كممول محتمل لحروب بالوكالة، ومنظومة متكاملة تتلاعب بالهشاشة الإقليمية من أجل توسيع مجال نفوذها.
هذا الانهيار ليس فقط في السردية… بل في الثقة، في المصداقية، وفي قدرة الإمارات على أن تفرض نفسها كصوت حكمة في المنطقة. لقد بدأت مرحلة ما بعد لاهاي. ليس مجرّد أزمة صورة، بل بداية لانهيار شرعيتها الأخلاقية على الساحة الدولية ويُسقِط قناعها الإنساني وقواها الناعمة.
قد يتساءل البعض: لماذا اختار السودان التوجه إلى محكمة العدل الدولية (ICJ) بدلًا من المحكمة الجنائية الدولية (ICC) لمقاضاة الإمارات بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية؟ الإجابة تكمن في الطبيعة القانونية والسياسية لكل من المحكمتين.
محكمة العدل الدولية هي محكمة مختصة بالنزاعات بين الدول، وتعمل بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وبما أن السودان يتهم دولة ذات سيادة – هي الإمارات – بدعم جماعة مسلحة غير حكومية في ارتكاب جريمة إبادة جماعية،
فإن المسار القانوني الطبيعي هو محكمة العدل الدولية، لأنها الجهة القضائية الوحيدة القادرة على محاسبة الدول ذات السيادة وفقًا للاتفاقيات الدولية، وتحديدًا اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها لعام 1948.
أما المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، فاختصاصها يقتصر على الأفراد، لا الدول. بمعنى أن السودان كان يمكنه رفع دعاوى ضد قادة إماراتيين أو مسؤولين في الدعم السريع، لكن ليس ضد دولة الإمارات بصفتها الرسمية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح أي تحرك في المحكمة الجنائية الدولية يتطلب تحقيقًا جنائيًا طويلًا، وموافقة الادعاء العام، وربما إحالة من مجلس الأمن – وهو مسار محفوف بالتجاذبات السياسية والتدخلات الغربية التي طالما منعت تحقيق العدالة في قضايا مشابهة.
السودان، باختياره لمحكمة العدل الدولية، لم يذهب فقط للمسار القضائي الأوضح، بل اختار المنصة التي تضع الدول أمام مسؤولياتها، وتكسر وهم الإفلات من العقاب باسم “السيادة” أو “النفوذ”.
إنه خيار سياسي بقدر ما هو قانوني، يعكس وعيًا استراتيجيًا باستخدام أدوات القانون الدولي في وجه دول طالما استخدمت المال والدبلوماسية الناعمة لطمس آثار تدخلاتها التخريبية.
خلاصة القول، مهما كان القرار الذي ستصدره محكمة العدل الدولية، فإن لحظة لاهاي تجاوزت حدود المرافعة القضائية؛ لقد كانت لحظة كسر الصمت، وتحطيم الهرم المقلوب في النظام الدولي، حين تجرّأ السودان على قلب الطاولة في وجه من اعتادوا الجلوس خلفها.
كانت وقفة قانونية لكنها سياسية بامتياز، لا تطلب عدالة رمزية، بل تحاسب بوضوح وقوة مشروعًا إقليميًا استثمر طويلاً في الإفلات من العقاب عبر المال والمظاهر الخادعة.
وفي تلك القاعة، لم يكن السودان يتكلم وحده. كانت ليبيا تنظر، واليمن تتابع، والصومال تُصغي، والساحل الإفريقي يُدوّن. لقد تكلّمت الدول المنسية بصوت واحد من خلال السودان: كفى تجاهلًا، كفى صمتًا على مشاريع التخريب المغلّفة بالدبلوماسية، كفى تبريرًا للهيمنة بعبارات “الاستثمار” و”الاستقرار”.
ومن لاهاي، قال السودان للعالم ما لم يُرد كثيرون سماعه: من يشعل الحرب لا يمكنه أن يدّعي الوساطة، ومن يسلّح القتلة لا يحق له أن يحمل راية الإغاثة.
لقد أرغم السودان مشروعًا إماراتيًا توسعيًا، طالما قدّم نفسه كراعٍ للسلام وفاعل خير إنساني، على الوقوف في قفص الاتهام. لا داخل قاعات مؤتمرات ناعمة، بل أمام منصة تقشّر الخطاب وتفكك الأدوار، وتحاكم النوايا المغلفة بالدبلوماسية.
السودان لم يواجه الإمارات فحسب، بل واجه هندسة ممنهجة للفوضى، وفضح بنية متكاملة من التمويل، التسليح، والتغطية الإعلامية التي حوّلت معاناة الشعوب إلى أدوات نفوذ.
وإذا كان الحصار أراد إسكات السودان، فإن لاهاي منحته مكبر صوت. وإذا كانت المليشيا أُرسلت لتشتيته، فإن المحكمة جمعته حول رواية واحدة: لا مكان بعد اليوم للحياد الزائف، ولا احترام لمن يدّعي الإنسانية وهو يموّل المجازر. لا يُمكن لمن يزرع الموت أن يبيع خطاب “الاستقرار”، ولا لمن يهرب الذهب أن يوزع شعارات “الازدهار”.
في لاهاي، وقف السودان بجرأة لم يعرفها من قبل، لا كضحية تبحث عن تعاطف، بل كصاحب قضية يطالب بمحاسبة، ويقدّم ملفًا لا يمكن تجاوزه. ومن هذا الموقف، لم يُعد ما حدث أمام المحكمة شأنًا سودانيًا صرفًا، بل لحظة انكشاف عالمي لمشروع هيمنة مقنّعة، لطالما تحركت في العتمة.
إن لاهاي لم تكن نهاية معركة، بل بدايتها. فقد أُجبرت أبوظبي على النظر في مرآة القانون، لا مرآة دعاياتها. وما رآه العالم فيها لن يُمحى بسهولة. لقد كتب السودان في لاهاي بداية فصل جديد في معركة الجنوب ضد الازدواجية، وضد من يتستر بالإنسانية ليُشعل الحروب.
والرسالة التي خرجت من القاعة واضحة: الجريمة لا تحميها التحالفات، والمال لا يشتري البراءة، وسردية الأقوياء تنهار حين ينهض صاحب الحق ويطالب بما هو له.
ما حدث في لاهاي لن يُنسى… وما بعد لاهاي، لن يشبه أبدًا ما قبلها.
وبينما لا تزال أصداء لاهاي حاضرة، يطلّ مؤتمر لندن الإنساني حول السودان في 15 أبريل بسؤال صارخ: كيف تُمنح الإمارات، المتهمة أمام محكمة العدل الدولية بالتواطؤ في إبادة جماعية، مقعدًا فاعلًا في مؤتمر يُفترض أن يناقش دعم الضحايا؟ كيف يُقصى السودان المجني عليه، ويُكرّم المتورط المفترض كشريك في “السلام” و”الإغاثة”؟
هل تحوّلت طاولة المانحين إلى منصة لتبييض الأدوار، وتلميع الفاعلين الإقليميين بشعارات إنسانية؟ وهل أصبح العمل الإنساني غطاءً للنفوذ لا وسيلة للإنصاف؟
في المقال القادم، نكشف كواليس المؤتمر، ونطرح الأسئلة الجوهرية: من يرسم ملامح السلام؟ من يملك شرعية التحدث باسم الضحايا؟ وما إن كانت لاهاي ستُسكت في لندن… أم ستتكلم بصوت أعلى. لا يكفي أن يُقال “مؤتمر لدعم السودان”… بل لا بد أن يُسأل: دعم من؟ وبأي يد؟ ولمصلحة من؟