متابعات – عاجل نيوز
مقدمة:
في لحظةٍ يُفترض أن تبلغ فيها الدول أقصى درجات الانتباه والتعبئة، يبدو المشهد السوداني وكأنه يتحرك بإيقاعٍ أبطأ من حجم الخطر الذي يواجهه.
فبينما تفرض الحروب عادةً حالة استنفار شاملة تُعاد فيها صياغة الأولويات الوطنية، تتسلل إلى الحياة العامة مظاهر اعتيادٍ مقلق، كأن البلاد لم تدخل بعد مرحلة الحسم التي تُقاس فيها القرارات بالدقائق لا بالسنوات.
هذا التناقض بين جسامة التحدي وطبيعة الاستجابة يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة إدارة اللحظة الراهنة: هل يدرك الفاعلون السياسيون والإعلاميون أن البلاد تخوض امتحان بقاء، أم أن حالة “الاسترخاء العام” أصبحت سلوكاً مؤسسياً يبدد الإحساس بالخطر ويؤجل معركة الوعي قبل معركة الميدان؟
عثمان ميرغني .. هل نعيش زمن استرخاء
حاول أن تتخيل جدول طالب في بداية السنة الثالثة ثانوي.. سيتقدم لامتحان الشهادة السودانية نهاية العام الدراسي. بالطبع سيُوزَّع برنامجه بين المذاكرة والترويح والزيارات الاجتماعية وقضاء الوقت مع الأصدقاء والأقارب، وربما السفر في عطلة نهاية الأسبوع.
بعد منتصف العام الدراسي.. يبدأ البرنامج يتغير تدريجياً. تنسحب أوقات الفراغ والترفيه رويداً رويداً، وتقل الزيارات الاجتماعية ووقت المتعة مع الأصدقاء.
وعندما يتبقى على الامتحان شهر واحد.. يتحول البرنامج إلى حالة طوارئ. تخصص معظم ساعات اليوم للمذاكرة، ويصبح الترويح قليلاً جداً، ثم يستمر في التلاشي.
وعندما تبدأ الامتحانات فعلياً.. تتغير وحدة الزمن نفسها. من يوم إلى ساعة، ثم إلى دقيقة. كل شيء يُحسب بالدقيقة.. حتى وقت الطعام والنوم. لا فراغات في البرنامج اليومي. أقصى درجات «شد الأحزمة» تتجلى في مواجهة التحدي. يصبح الرد على مكالمة هاتفية مهمة يتطلب النظر مراراً وتكراراً إلى عقارب الساعة.
حسناً.. لنُسقط هذا المثال على واقع دولتنا السودان في المرحلة الراهنة.
الحرب ومواجهة تقرير مصير الوطن هي عنوان الوضع الذي نعيشه. نحن بحاجة فيه إلى كل دقيقة – مثل الطالب في الامتحان – ونستثمر كل طاقاتنا لمواجهة التحديات.
لكن قارن هذا بالواقع الذي نعيشه. خذ مثالاً بسيطاً: قائمة الأخبار اليومية التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام.
من يطالع أخبار السودان لا يجد فيها ما يدل على أن هذا بلد يعيش أقسى امتحان تعرَّض له في تاريخه.
وطن في مواجهة «أن يكون أو لا يكون»، البقاء أو الفناء. لكن عناوين الأخبار تبدو مسترخية، هادئة، بإيقاع بطيء، وكأن الشعب لم يترك بيوته وأهله نازحاً أو لاجئاً.