هل انخفض الدولار أم انخفض معيار تقييم النجاح؟ قراءة اقتصادية في تصريحات وزير المالية.
قراءة اقتصادية في تصريحات وزير المالية للخبير محجوب هجّانة.
البروفيسور محجوب هجّانة يناقش الفجوة بين استقرار سعر الصرف وارتفاع الأسعار ومعاناة المواطن
متابعات – عاجل نيوز
بروفيسور محجوب هجانة ..
استمعت باهتمام إلى تصريحات وزير المالية، لأنها تتناول قضية تمس حياة كل مواطن سوداني، وأرى أنها تستحق قراءة اقتصادية موضوعية، لأن الاقتصاد لا يحاكم الأشخاص، وإنما يقيم السياسات من خلال نتائجها.
أتفق مع الوزير في أن العلاقات الدولية تُبنى على المصالح المتبادلة لا على العواطف، وأن كسب الحلفاء في ظروف الحرب ليس بالأمر السهل، فهذه من أبجديات الاقتصاد السياسي، كما أن الحروب ترفع درجة المخاطر، وتؤثر في الاستثمار والتجارة والتدفقات المالية.
لكنني أختلف معه اقتصاديًا في معيار تقييم النجاح. فإذا كان الوزير يقر بأن سعر الصرف قد انخفض، ويقر في الوقت نفسه بأن أسعار السلع لم تنخفض، فإن السؤال الاقتصادي المشروع هو: أين توقف أثر السياسة الاقتصادية؟
في الاقتصاد الكلي، لا يُعد سعر الصرف هدفًا في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وخفض التضخم، وتحسين القوة الشرائية، وزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل. فإذا تحسن سعر الصرف بينما بقي المستوى العام للأسعار مرتفعًا، فإن الهدف النهائي للسياسة الاقتصادية لم يتحقق.
ومن منظور الاقتصاد النقدي، فإن نجاح السياسة النقدية لا يقاس باستقرار سوق العملات وحده، وإنما بقدرتها على نقل أثرها إلى الاقتصاد الحقيقي.
فإذا لم ينعكس انخفاض سعر الصرف على أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، فإن ذلك يشير إلى ضعف انتقال أثر السياسة النقدية، أو إلى وجود اختلالات هيكلية تحد من كفاءة الأسواق.
أما الاقتصاد القياسي، فلا يعترف بالتصريحات، وإنما بالبيانات. فأين أثر انخفاض سعر الصرف على معدل التضخم؟ وأين انعكاسه على الرقم القياسي لأسعار المستهلك؟ وأين تحسن القوة الشرائية والدخل الحقيقي؟ فالاقتصاد علم يقيس النتائج بالأرقام قبل الأحكام.
كما يؤكد الإحصاء الاقتصادي أن الحكم على أداء الاقتصاد لا يكون من خلال مؤشر واحد، بل بمنظومة متكاملة تشمل النمو الاقتصادي، والإنتاج، والإنتاجية، والاستثمار، والبطالة، والصادرات، والدخل الحقيقي، إلى جانب استقرار سعر الصرف.
ومن منظور اقتصاد التنمية، فإن قوة العملة ليست سببًا لازدهار الاقتصاد، وإنما نتيجة لاقتصاد منتج يقوم على الإنتاجية، وتنويع الصادرات، وخلق القيمة المضافة، وتحسين ميزان المدفوعات.
كما أن الأسواق تحكمها قوى العرض والطلب، لا التصريحات وحدها. فإذا ظل عرض السلع محدودًا بسبب ضعف الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل، بينما بقي الطلب قائمًا، فمن الطبيعي أن تستمر الضغوط التضخمية حتى مع انخفاض سعر الصرف.
وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في سعر الصرف وحده، بل في معالجة الاختلالات الهيكلية، وتحقيق الاستدامة المالية، وتحسين بيئة الاستثمار، ورفع كفاءة تخصيص الموارد، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني.
وأخيرًا… يخلص البروفيسور محجوب هجّانة إلى أن الاقتصاد لا يمنح الحكومات شهادة نجاح لأنها حسّنت سعر الصرف، وإنما لأنها نجحت في خفض التضخم،.
وتحسين ميزان المدفوعات، وزيادة الإنتاج والإنتاجية، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، ورفع القوة الشرائية للمواطن.
ويبقى المواطن السوداني، المغلوب على أمره، هو المعيار الحقيقي الذي لا يستطيع أي اقتصاد تجاوزه أو تجميله.
فالمواطن لا يعيش داخل التقارير الاقتصادية، ولا يشتري حاجاته من شاشات أسعار العملات، ولا يقيس رفاهيته بالمؤشرات النقدية، بل بما يستطيع أن يضعه على مائدة أسرته، وما يستطيع أن يوفره من دواء، وتعليم، وسكن، ومستقبل كريم لأبنائه.
فإذا لم تصل ثمار السياسات الاقتصادية إلى هذا المواطن، فإن نجاحها يظل ناقصًا مهما بدت المؤشرات مطمئنة. فهذه هي الحقيقة التي تعلمناها في الاقتصاد، .
وما زلنا نُدرِّسها: أن الإنسان هو غاية التنمية، وأن كرامة المواطن ورفاهيته هما المعيار النهائي لنجاح أو إخفاق أي سياسة اقتصادية. حفظه الله السودان واقتصاده