عاجل نيوز
د. الشاذلي عبداللطيف
في السودان، لم تعد الدولة كيانًا جامعًا يحكم باتفاق الجميع، بل حلبة تتقاذفها المصالح والانقسامات. والتحوّل لا يتعلق بالاختلاف حول الرؤى فحسب، بل حول جوهر الدولة نفسها: هل هي أمانة عامة تخدم المواطنين، أم غنيمة تُوزَّع على منابر النفوذ؟
ما يجري لا ينبئ بتنافس من أجل خدمة المواطن أو تطوير المؤسسات، بل يكشف عن سباقٍ على الموارد والمناصب، حيث تُدار الدولة بمنطق السوق لا بمنطق السيادة. توزيع المواقع لا يخضع لمعايير الكفاءة، بل لميزان القوى اللحظي، وهذا يُنتج نظامًا هشًا لا يستطيع تأسيس عقد اجتماعي مستقر.
لكن رئيس الوزراء الانتقالي، د. كامل إدريس، دعا إلى تجاوز هذا المنطق، وطرح رؤيته لـ”حكومة الأمل المدنية”، التي تُمثِّل محاولة جادة لإعادة تأسيس الدولة من جديد.
وقد جاءت ملامح هذا النموذج واضحة في خطابه:
الاختيار على أساس الجدارة: بتأكيده أن التعيينات ستكون “عادلة، تُبنى على معايير الكفاءة والخبرة والسمعة”.
أولوية الأمن والرفاه: حيث شدد على أن رسالة الحكومة هي “تحقيق الأمن والرفاه والعيش الكريم لكل سوداني وسودانية”.
مدنية الدولة: إذ أشار إلى أن الحكومة “مدنية بالجوهر والهوية”، وتعتمد على الكفاءات لا على الانتماءات.
هذه المبادئ تمثّل نواة مشروع وطني جديد، يتطلب تفكيك منظومة الولاء والمحاصصة، وإعادة بناء الدولة بوصفها كيانًا مؤسسيًا حياديًا، يُدار بمنطق السيادة والمصلحة العامة.
ولا يمكن لهذه الرؤية أن تتحقق دون التزام جماعي من القوى السياسية والمجتمعية بترك رئيس الوزراء يعمل وفق ما أعلن، دون تدخلات أو مناورات أو شروط مسبقة تُفرغ المشروع من محتواه. فالدولة لا تُبنى عبر التفاوض على الحقائب، بل على مبدأ واضح: من يخدم الشعب، يُدير الدولة.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع تأسيسي لا يعيد إنتاج الفشل، بل يكسر منطق الترضيات، ويستبدله بمنهج العدالة والكفاءة. مشروع لا يتكئ على معادلات قوى متغيرة، بل على ثوابت وطنية ومؤسسية.
إن الوطن لا يُبنى من توازن المصالح، بل من وحدة المصير، ومن عقد سياسي جديد يعيد تعريف الدولة بوصفها مصلحة عامة، ويفتح الباب أمام الأمل لا بوصفه شعارًا، بل واقعًا قابلاً للتحقق.
الوطن لا يُبنى من فوق البنادق، بل من تحت سقف العدالة والمشاركة.