عاجل نيوز
عاجل نيوز

د. عصام أحمد البشير | رحيل قامةٍ صنعت الأثر.. السودان يودّع الطيب الجد ود بدر

وفاة الشيخ الطيب ود بدر ودوره في الإصلاح بالسودان

سيرة عالمٍ جمع بين القضاء والدعوة والإصلاح في أصعب المراحل

 

متابعات – عاجل نيوز

ليس من السهل الكتابة عن رجلٍ بحجم الأثر الذي تركه الشيخ الخليفة الطيب الجد ود بدر، فبعض الأسماء لا تُختصر في سيرة، ولا تُحاط في كلمات، لأنها ببساطة كانت جزءاً من وجدان الناس، وحاضرة في تفاصيل حياتهم.

وفي هذا السياق، يستعيد الدكتور عصام أحمد البشير ملامح هذه القامة، مشيراً إلى أن الراحل لم يكن مجرد عالمٍ في الدين، بل كان نموذجاً متكاملاً لرجلٍ جمع بين الفقه والتربية والإصلاح، في زمنٍ تفرّقت فيه المسارات واشتدت فيه الحاجة إلى من يجمع الكلمة.

نشأ الشيخ الطيب الجد في بيتٍ عريقٍ في العلم والدين، هو بيت “ود بدر”، الذي ظل عبر عقود طويلة منارةً للعلم ومقصداً للناس، فشبّ في بيئةٍ صاغت شخصيته على التوازن بين العلم الشرعي والسلوك الروحي، فحفظ القرآن وتفقّه في الشريعة على مذهب الإمام مالك، حتى استقام له البناء العلمي واتسق مع صفاء الروح.

ولم يقف عطاؤه عند حدود الدعوة، بل امتد إلى ميدان القضاء، حيث تدرّج في السلك القضائي حتى بلغ المحكمة العليا، وهناك رسّخ نموذج القاضي الذي يجعل من العدالة رسالة، ومن الحكم أمانة، فكان مثالاً في النزاهة والانصاف.

كما كان من المؤسسين لمجمع الفقه الإسلامي السوداني، مساهماً في ترسيخ منهج الاجتهاد الجماعي، والتعامل مع قضايا العصر بروحٍ تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهو ما جعله من الأصوات الفقهية المؤثرة في محيطه.

ويشير الدكتور عصام أحمد البشير إلى أن الدور الأبرز للشيخ الطيب الجد تجلّى في قيادته للسجادة القادرية، حيث لم تكن مجرد موقعٍ روحي، بل تحولت في عهده إلى مدرسةٍ للإصلاح الاجتماعي، ومنبرٍ للوئام، ومركزٍ لنشر قيم الاعتدال.

لقد عُرف – رحمه الله – بأنه رجل صلحٍ من الطراز الأول، إذ جعل من مسجده ملاذاً للمتخاصمين، وسعى إلى جمع الكلمة ورأب الصدع في مجتمعٍ أنهكته النزاعات، فكان حضوره عاملاً في تخفيف الاحتقان وإعادة التوازن.

وفي خضم الأزمات التي مرّت بها البلاد، لم يغِب صوته، بل كان حاضراً بدعواته للحوار والتوافق، مؤمناً بأن الحلول الحقيقية تنبع من الداخل، وأن وحدة الصف الوطني هي السبيل لتجاوز المحن.

كما جمع – رحمه الله – بين الوسطية الصوفية والوعي الواقعي، فكان بعيداً عن الغلو، كما كان بعيداً عن التفريط، مقدماً نموذجاً متوازناً أكسبه احترام مختلف التيارات.

وبرغم هذه المكانة، ظل قريباً من الناس، متواضعاً في حياته، حريصاً على خدمتهم، حاضراً في قضاياهم، وكأنه يترجم عملياً معنى التصوف القائم على خدمة الخلق.

ويرى الدكتور عصام أحمد البشير أن رحيل الشيخ الطيب الجد لا يمثل فقدان شخصٍ فحسب، بل هو فقدٌ لمدرسةٍ كاملة في العلم والإصلاح، وتجربةٍ نادرة في الجمع بين الدين والمجتمع، وهو فراغٌ كبير في وقتٍ يحتاج فيه السودان إلى أمثال هؤلاء الحكماء.

وفي ختام هذا المقال، يرفع الكاتب الدعاء بأن يتغمد الله الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه من علمٍ وإصلاحٍ في ميزان حسناته، وأن يبقى أثره ممتداً في الناس كما كان في حياته.

يمثل الشيخ الطيب ود بدر أحد أبرز رموز المدرسة الصوفية الإصلاحية في السودان، التي جمعت بين التربية الروحية والعمل المجتمعي، وأسهمت في تعزيز التماسك الاجتماعي ونشر قيم الاعتدال، ما يجعل رحيله خسارة كبيرة في هذا التوقيت الحساس.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.