عاجل نيوز
د. الشاذلي عبداللطيف
في لحظة نادرة من التراجع المحسوب، أعلنت إيران قبولها بوقف إطلاق النار مع إسرائيل.
ليس باعتباره نصرًا سياسيًا، ولا نهاية لمسار الصراع المزمن، بل لأنه – ببساطة – الخيار الأقل كلفة في ظرف إقليمي بالغ الخطورة.
وما قد يبدو تراجعًا في الشكل، يُمثّل في جوهره مناورة سياسية ناضجة، تستحضر فيها إيران – بوعي أو بدونه – درسًا خالدًا من التاريخ الإسلامي: درس صلح الحديبية.
فكما قبل النبي ﷺ شطب لقب “رسول الله” من نصّ الاتفاق مع قريش، لأنه أدرك أن الحقيقة لا تتبدد حين تُخفى مؤقتًا،
أدركت إيران أن “الصمود” لا يعني بالضرورة الاصطدام، بل قد يُترجَم أحيانًا بخطوة تكتيكية إلى الوراء تُمهّد لمسار أطول وأكثر تأثيرًا.
إيران، في واقع الأمر، لم تغيّر موقعها الاستراتيجي، لكنها غيّرت هيئة المواجهة.
وقدّمت بذلك دليلًا على فهمها لواحدة من أعقد قواعد السياسة: أن التنازل الظاهري لا يُعبّر بالضرورة عن الهزيمة، بل قد يكون أقصر الطرق نحو فرض الشروط لاحقًا.
تمامًا كما لم يكن صلح الحديبية نهاية للصراع مع قريش، بل نقطة تحوّل حاسمة أعادت ترتيب موازين القوى،
فإن وقف إطلاق النار اليوم لا يُنهي العداء مع إسرائيل، لكنه قد يشكّل لحظة فارقة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، وربما لفتح – ولو من بعيد – بابًا لمعادلة أكثر توازنًا.
ورغم أن هذا التحوّل جاء تحت ضغط التحديات الإقليمية والدولية، إلا أن اختياره بهذا التوقيت يُظهر نضجًا في إدارة المواجهة، وليس انكسارًا في الإرادة.
> السياسة الناجحة لا ترفض دروس التاريخ… بل تُحسن توظيفها في لحظات الحاجة.
وإيران، فيما يبدو، قد قرأت الحديبية جيدً