استقالة حنان حسن.. المناورة الثالثة للمؤتمر السوداني في ميزان التحولات
أسباب استقالة حنان حسن من حزب المؤتمر السوداني وأبعادها السياسية
فك الارتباط التكتيكي وصناعة مسار جديد بين “السيادة” والميدان الحقوقي.
متابعات – عاجل نيوز
في الخامس والعشرين من أبريل 2026م، وضعت القيادية المحامية حنان حسن “نقطة في سطر تجربتها” مع حزب المؤتمر السوداني.
جاءت الاستقالة في بيانها الأول مغلفة بعبارات دبلوماسية تصف الخطوة بأنها تحول نحو “فضاء أرحب للعمل الوطني”، إلا أن هذه الدبلوماسية الناعمة لم تصمد طويلاً أمام التساؤلات الملحة حول الأسباب الحقيقية للمغادرة.
إذ كشفت في إطلالاتها الإعلامية اللاحقة عن دوافع تتجاوز الإرهاق السياسي، منتقدةً بوضوح “مركزية القرار” وما أسمته الاختطاف التنظيمي الذي تمارسه دائرة ضيقة، مما أدى إلى حالة من التكلس والخمول الذي لم يعد يستوعب حيوية الكادر الميداني في ظل تعقيدات الحرب الراهنة.
ويرى الكاتب الشاذلي حامد المادح أن هذه الأسباب الإجرائية ليست سوى القشرة الخارجية لواقع سياسي أكثر تعقيداً؛ فالمغادرة تأتي في وقت يرزح فيه الحزب تحت وطأة جدار عازل من الرفض الشعبي واتهامات التخوين.
لقد أصبح المؤتمر السوداني مثقلاً بتركة مواقف ربطت قياداته في الذهنية الجمعية بالخارج وبالأجندات الإقليمية المشبوهة، ما حوّل الهوية الحزبية إلى عبء يلاحق كوادره.
في هذا الجو المشحون، أصبحت الاستقالة ضرورة إستراتيجية بمثابة (صك براءة) يتيح لحنان حسن فك ارتباطها بالمركزية الموصومة، تمهيداً لإعادة إنتاج نفسها كشخصية وطنية مستقلة قادرة على التسلل خلف خطوط المشهد السوداني بكل أبعاده العسكرية والسياسية والاجتماعية.
الرهان على الميدان والأجسام المدنية.
إن رهان حنان الفعلي لا يتوقف عند حدود تحالف (صمود) الذي يمثل الخيط الرفيع لإبقائها قريبة من الحزب ومن مكونات الثورة، بل يرتكز على استعادة الحيوية عبر الأجسام المدنية التاريخية مثل (تجمع المهنيين) و(محامو الطوارئ)، وإعادة بناء الجسور المقطوعة مع لجان المقاومة.
بهذا المعنى، تتحول الاستقالة إلى (انتداب تكتيكي) فائق الحساسية، يتيح لها التواجد في الداخل (وكيلة مستقلة) تحمل لغة الميدان وتتنفس هموم الداخل السوداني الذي يعاني ويلات الحرب.
لقد كرس الظهور الإعلامي الأول لحنان حسن بعد استقالتها لغة جديدة، حيث استبدلت أدبيات التحالفات التقليدية بمفردات سيادية مثل (الارتهان للخارج) و(ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة)، مقتربةً أكثر من خطاب الجيش السوداني.
وبدلاً من الحياد الرمادي الذي عُرفت به تحالفات سابقة، تبنت خطاباً حقوقياً يُدين بوضوح الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين، مما يعد إدانة مباشرة للمليشيا مغلفة بإطار قانوني، وهو ما يمنحها الشرعية اللازمة للعبور نحو بورتسودان والتعامل مع أجهزة الدولة ككادر وطني، مُنفذةً بذلك أدق عملية تدوير سياسي عجز عنها قادة المنافي.
صمت القبور وفرضية التنسيق الخفي
عزز رد فعل الحزب فرضية (التنسيق الخفي) عبر حالة “صمت القبور” الممنهجة؛ فغياب حملات التخوين المعتادة يؤكد أن المغادرة كانت خروجاً ودياً يخدم إستراتيجية (أقدام في كل معسكر).
فبينما يقود الحزب المسار الدبلوماسي الخارجي من خلال صمود، ويناور بالواقع العسكري عبر مجموعة محمد حسن عربي، يجترح بحنان حسن مساراً ثالثاً يرتكز على الكتلة المدنية والعمل الحقوقي الميداني انطلاقاً من “محور القاهرة”، الغرفة الأقرب وجدانياً للداخل السوداني.
إنها مناورة لكسر العزلة لضمان ألا يخرج الحزب من المولد بلا (هرمز) مهما كانت نتائج الحرب العسكرية.
جدار الرفض وحقل الألغام الشعبي
ومع ذلك، تواجه حنان حسن جداراً صلباً يجعل من مهمتها شبه مستحيلة، فهي تتحرك وسط حقل ألغام من الرفض الشعبي والنخبوي، وصولاً إلى قطاعات المستنفرين الذين لا يقبلون بأنصاف المواقف.
وحتى في حال وجود تفاهمات تحت الطاولة، يظل الجيش محاصراً برأي عام يرفض أي تقارب مع المليشيا أو حاضنتها السياسية، مما يضع السلطة أمام ضغط يمنع منح (صك مرور) مجاني لمثل هذه المناورات التي ستتناسل.
إن ثمن القبول لم يعد الاستقالة فحسب، بل الانحياز الكامل والمكلف لشرعية الدولة دون مواربة أو تجميل للمواقف السابقة.
تبرز هذه الخطوة كأخطر وأجرأ مناورات حزب المؤتمر السوداني، الذي طالما نُظر إليه تاريخياً كواجهة مرنة لتيارات سياسية متباينة.
وإذا كانت المناورات السابقة قد انحصرت في فضاء (الاتفاق الإطاري) المتجانس، فإن هذه الخطوة تمثل اختراقاً مباشراً نحو الخصوم والشارع المبدئي، مما يجعلها مقامرة وجودية.
فإما أن تنجح في إنقاذ إرث الحزب عبر هذا (الانتداب التكتيكي)، أو يكتب لها الفشل لتكون آخر فصول (التدوير) السياسي في سودان لا يقبل بغير القطيعة التامة مع المليشيا والولاء الكامل للوطن.